شهاب الدين بن العماد الأقفهسي
10
أخبار نيل مصر
أمسوس وغيرها من المدائن ، حفروا النيل حتى أجروا ماءه إليهم ، ولم يكن قبل ذلك معتدل الجرى ، بل كان ينبطح ويتفرق في الأرض ، فوجّه الملك نقراوش المهندسين إلى النوبة فهندسوه وساقوا منه أنهارا إلى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها . ثم لما خربت مصر بالطوفان ، وكانت أيام البودشير بن قفط بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام عدل جانبي النيل تعديلا ثانيا بعد ما أتلفه الطوفان « 1 » . كما أن نهر النيل أخذ قسطا موفورا واهتماما ملحوظا من القصص الديني ، من جانب المؤرخين والجغرافيين ، خاصة في العصر المملوكى وذلك سواء أكان ذلك القصص مما ورد في القرآن الكريم ، أو في الأحاديث النبوية الشريفة ، أو مما أثر عن الصحابة والسلف الصالح ، أو من أقوال المفسرين للقرآن الكريم ، وعلماء اللغة . بل إن الكثير من مؤلفات ذلك العصر احتوت على الكثير من الأحاديث المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتي ترجع النيل إلى أنهار الجنة ؛ وتصبغه بصبغة القدسية ، وتضفي عليه صفة الإيمان « 2 » ؛ فهو سيد الأنهار ، سخر الله له كل الأنهار والعيون لتمده بمائها وقت زيادته ، فإذا وفّى زيادته وزرعت الأراضي ، أمر الله النيل أن يعود كما كان « 3 » . ويبدو أن هذا الاعتقاد الذي سيطر على أفكار الجغرافيين والمؤرخين المسلمين نتج من حقيقة أن الزيادة تحدث في مياه نهر النيل صيفا ، في حين أن مياه معظم الأنهار المعروفة تنقص في ذلك الفصل من السنة . وكان بلوغ الزيادة في نهر النيل عند تمام الستة عشر ذراعا ، يعتبر علامة الوفاء - أي وفاء النيل ، وعندئذ يستحق تحصيل الخراج الذي للسلطان كاملا « 4 » . وتسمى زيادة الستة عشر ذراعا هذه « بماء السلطان » . ويذكر المسعودي : أن أتم الزيادات نفعا للبلاد هي زيادة السبعة عشر ذراعا ، وذلك لأنها تروى جميع البلاد ، أما إذا زادت عن ذلك ووصلت إلى ثمانية عشر ذراعا فإن المياه تغطي ربع أراضي البلاد حتى يفوت أوان الزرع ، وهو ما
--> ( 1 ) المقريزي : الخطط ، ج 1 ، ص 52 ، ط . بولاق . ( 2 ) المقريزي : الخطط ، ج 1 ، ص 49 ؛ السيوطي : حسن المحاضرة ، ج 2 ، ص 302 - 304 ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط . دار الفكر العربي ، القاهرة 1998 م ؛ السيوطي : الكلام على النيل ، ص 13 - 19 ؛ كوكب الروضة ، ص 49 - 51 ؛ الحجازي : نيل الرائد في النيل الزائد ، ص 8 - 9 ، مخطوط بدار الكتب المصرية رقم 380 جغرافيا . ( 3 ) ابن ظهيرة : الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة ، ص 169 ، تحقيق مصطفى السقا ، ط . دارالكتب ، القاهرة 1969 م ؛ المقريزي : الخطط ، ج 1 ، ص 49 - 50 ، ص 60 . ( 4 ) المسعودي : مروج الذهب ، ج 1 ، ص 343 .